لماذا لا يشعر المرضى بالجوع؟

كم مرة سمعنا أحدهم يقول لمريض في المستشفى: “لازم تأكل، حتى لو ما لك نفس.”

لكن ماذا لو أخبرتك أن بعض المرضى لا يشعرون بالجوع أصلًا، ليس لأن معدتهم ممتلئة، ولا لأن الطعام لا يعجبهم، بل لأن أجسامهم قررت مؤقتًا أن الجوع لم يعد أولوية؟

قد يبدو ذلك غريبًا، لكنه يحدث يوميًا في وحدات العناية المركزة.

عندما يُصاب الإنسان بعدوى شديدة، أو تعفن في الدم (Sepsis) ، أو حروق واسعة، أو إصابة كبيرة، يدخل الجسم في حالة طوارئ. وفي هذه المرحلة لا يكون الهدف الأول هو الهضم أو الاستمتاع بالطعام، بل الحفاظ على الحياة.

ولتحقيق ذلك، يطلق الجهاز المناعي مجموعة من الجزيئات تُعرف باسم السيتوكينات الالتهابية (Inflammatory Cytokines)، مثل IL-1 وIL-6 وTNF-α.

غالبًا ما نسمع عن هذه السيتوكينات باعتبارها جزءًا من جهاز المناعة، لكن ما لا يعرفه كثيرون أنها تستطيع أيضًا التواصل مع الدماغ.

وتحديدًا مع منطقة صغيرة تُسمى  (Hypothalamus)، وهي المسؤولة عن تنظيم الجوع والشبع.

عندما تصل هذه الإشارات الالتهابية إلى الدماغ، يتغير سلوك الشهية بصورة واضحة.

في الظروف الطبيعية، يشعر الإنسان بالجوع عندما تنخفض الطاقة المخزنة أو تفرغ المعدة. أما أثناء المرض الشديد، فإن الرسالة التي يتلقاها الدماغ تختلف تمامًا، وكأن الجسم يقول:

الآن ليس وقت الأكل … لدينا معركة أهم.”

ولهذا السبب قد يبقى المريض أيامًا لا يشعر برغبة حقيقية في الطعام، رغم أن جسمه يستهلك طاقة أكثر من أي وقت آخر.

وهنا تكمن المفارقة.

فبينما تختفي الشهية، ترتفع احتياجات الجسم الغذائية بشكل كبير.

فالجهاز المناعي يحتاج إلى طاقة ليعمل، والأنسجة المتضررة تحتاج إلى مواد لبنائها، والكبد يزيد من إنتاج بروتينات تساعد على مواجهة الالتهاب.

ولأن الجسم لا يحصل غالبًا على كمية كافية من الغذاء، يبدأ بالبحث عن مصدر آخر للطاقة.

وللأسف، يكون هذا المصدر هو العضلات.

إذ يبدأ الجسم بتكسير البروتين العضلي للحصول على الأحماض الأمينية اللازمة لدعم الاستجابة المناعية وإصلاح الأنسجة، وهو ما يفسر فقدان الكتلة العضلية السريع الذي نلاحظه لدى كثير من المرضى في العناية المركزة.

ومن هنا نفهم لماذا لا يسأل أخصائي التغذية العلاجية مريض العناية المركزة أو المرضى المنومين في باقي الأقسام :

هل تشعر بالجوع؟

لأن الإجابة لن تعكس احتياجه الحقيقي.

فالشهية في هذه المرحلة ليست مقياسًا موثوقًا للحالة التغذوية، وإنما نتيجة مباشرة للتغيرات الالتهابية التي تحدث داخل الجسم.

ولهذا يعتمد أخصائي التغذية على التقييم السريري، وشدة المرض، والحالة التغذوية السابقة، لتحديد الوقت المناسب لبدء الدعم الغذائي والطريقة الأنسب لتقديمه.

وفي بعض الحالات، إذا استمرت هذه الاستجابة الالتهابية لفترة طويلة، فقد تتطور حالة تُعرف باسم  (Cachexia).

ليس مجرد فقدان للوزن.

بل هو اضطراب استقلابي معقد يفقد فيه المريض كتلته العضلية تدريجيًا نتيجة استمرار الالتهاب، حتى مع محاولة تعويض السعرات الحرارية.

ولهذا السبب قد نرى مريضًا يحصل على تغذية جيدة نسبيًا، ومع ذلك يستمر في خسارة العضلات، لأن المشكلة الأساسية لا تكمن في كمية الطعام فقط، بل في التغيرات الفسيولوجية التي أحدثها المرض.

وربما لهذا السبب أيضًا، لا ينظر أخصائي التغذية العلاجية إلى الطعام على أنه مجرد وسيلة لإشباع الجوع.

بل يعتبره جزءًا من العلاج.

لأن الجسم في الحالات الحرجة لا يحتاج إلى من يقنعه بالأكل، بل يحتاج إلى خطة تغذوية مدروسة تساعده على تجاوز المرض، وتحافظ قدر الإمكان على العضلات، وتدعم رحلة التعافي.

في النهاية، قد يختفي الجوع، لكن حاجة الجسم إلى التغذية لا تختفي أبدًا.

بل قد تكون في أشد حالاتها.

وهذه إحدى أكثر الحقائق إثارة في التغذية العلاجية؛ أن غياب الشهية لا يعني غياب الحاجة إلى الغذاء، بل قد يكون دليلًا على أن الجسم يخوض واحدة من أعنف معاركه.

المراجع:

  • Singer P, Blaser AR, Berger MM, et al. ESPEN guideline on clinical nutrition in the intensive care unit. Clinical Nutrition. 2019;38(1):48–79.
  • McClave SA, Compher C, Martindale RG, et al. Guidelines for Nutrition Therapy in Critically Ill Adults.Journal of Parenteral and Enteral Nutrition (JPEN). 2022.
  • American Society for Parenteral and Enteral Nutrition. Clinical Guidelines for Adult Critical Care Nutrition.
  • Fearon K, Strasser F, Anker SD, et al. Definition and classification of cancer cachexia: an international consensus. The Lancet Oncology. 2011.
  • Evans WJ, Morley JE, Argilés J, et al. Cachexia: A new definition. Clinical Nutrition. 2008.
  • Van Niekerk G, Isaacs A, Nell T, Engelbrecht AM. Inflammation, appetite and skeletal muscle wasting in critical illness. Frontiers in Immunology. 2021.
  • Cederholm T, Jensen GL, Correia MITD, et al. GLIM criteria for the diagnosis of malnutrition. Clinical Nutrition. 2019.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *